«أبوي ما ربانيش كده».. كمال ابن أبوتشت يرفض 100 جنيه بسبب الجلابية ويسافر للقاهرة بحثًا عن حلم الكرة

لم يتجاوز عمره 11 عامًا، لكنه في لحظة واحدة استطاع أن يلفت الأنظار إليه، ليس بمهاراته في كرة القدم فقط، وإنما بموقف بسيط كشف عن تربية وقيم يحملها طفل صعيدي صغير، بعدما رفض الحصول على 100 جنيه عُرضت عليه أثناء دخوله أحد الأندية، بسبب ارتدائه الجلابية، قائلًا بثبات: «أبوي ما ربانيش كده.. والصعيدي ما ياخدش فلوس من حد».

كمال آدم محمد محمود، طفل من محافظة قنا، تحولت حكايته إلى حديث بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي بعد انتشار مقطع فيديو له، ظهر خلاله وهو يتحدث عن موقف تعرض له أثناء دخوله النادي لممارسة كرة القدم، عندما سأله أحد الأشخاص عن الجلابية التي يرتديها، قبل أن يعرض عليه مبلغًا من المال مقابل ارتدائها.

يروي كمال أن الرجل سأله: «إيه اللي إنت لابسه ده؟»، فأجابه: «جلابية»، قبل أن يخبره بأنها لا تصلح للدخول، إلا أن الطفل تمسك بموقفه، مؤكدًا أن الجلابية لا تمنعه من دخول النادي، وتدخل أحد الكباتن لمساعدته على الدخول.

وبعد دخوله، فوجئ كمال بعرض الحصول على 100 جنيه، مع وعد بأن يحصل على المبلغ كلما ارتدى الجلابية، إلا أن الطفل رفض قائلًا: «لأ.. أبوي ما ربانيش كده، والصعيدي ما تاخدش فلوس من حد».

ومع إصرار الرجل على إعطائه المال، ظل كمال متمسكًا برفضه، مؤكدًا أنه ليس في حاجة إلى مال من أحد، وأن والده يوفر له كل ما يحتاجه، قائلًا: «أنا أبوي لما أقول له هات 50 بيديني 100، ولما أقول له هات 100 بيديني 200، يعني ما مخلينيش عايز حاجة».

ويؤكد كمال أن رفضه لم يكن بسبب قيمة المبلغ، وإنما لأنه يرى أن الحصول على المال من الآخرين أمر غير صحيح، حتى لو كان الشخص يريد مجاملته أو التعامل معه كأخ أكبر، مضيفًا: «مينفعش أخد فلوس من حد».

وبعيدًا عن موقف الـ100 جنيه، تحمل قصة كمال جانبًا آخر لا يقل أهمية، فهو طفل يعيش من أجل حلم واضح، اختار كرة القدم طريقًا له منذ نحو 3 سنوات، وأصبح مستعدًا للسفر والتنقل من أجل الوصول إلى هدفه.

يقول كمال إنه ذهب إلى أكثر من نادٍ خلال السنوات الماضية، من بينها النادي الأهلي ونادي دولفين، قبل أن يصل إلى النادي الذي يتدرب فيه حاليًا، موضحًا أنه لعب ضمن فرق البراعم وكان لاعبًا أساسيًا.

ويؤكد أن والده يدعمه في طريق كرة القدم، وأن الأسرة تتحمل من أجله مشقة السفر والتدريب، فهو لا يريد شيئًا من الدنيا سوى فرصة حقيقية لتحقيق حلمه، قائلًا: «أنا ليا 3 سنين أبوي بيرمم عليها عشان الكورة، أنا نفسي أطلع لاعب كورة، مفيش غير كده».

وأصبح السفر من قنا إلى القاهرة جزءًا من حياة الطفل، فبعدما كان يذهب في البداية برفقة والده، اعتاد الطريق مع الوقت وأصبح يسافر بمفرده، ويقيم لدى شقيقته المتزوجة أثناء وجوده في القاهرة، ثم يتوجه إلى تدريباته حاملاً حقيبته التي تضم ملابس كرة القدم الخاصة به.

ورغم سفره وتنقله، يظل كمال متمسكًا بارتداء الجلابية، مؤكدًا أنه يرتديها باستمرار، ولا يرى أنها تتعارض مع حلمه في كرة القدم أو مع حياته خارج الصعيد.

وفي الوقت نفسه، يحرص الطفل على دراسته، فهو طالب في التعليم الأزهري، ويتحدث عن الأزهر بفخر، قائلًا: «أحسن تعليم الأزهر.. أحسن حاجة في الدنيا إنك إنت تتعلم في الأزهر»، ويحاول التوفيق بين المدرسة والتدريب والسفر، مستفيدًا من وجود شقيقته التي يقيم لديها في القاهرة.

وعندما جاء السؤال عن اللاعب الذي يحبه ويتخذه مثلًا أعلى في كرة القدم، لم يتردد كمال في الإجابة: «نيمار»، مؤكدًا أنه يحب مهارات النجم البرازيلي، ويتمنى أن يصبح لاعبًا مميزًا في المستقبل.

ورغم أن كمال أصبح حديث الناس بعد انتشار الفيديو، فإنه لا يرى نفسه مختلفًا عن أقرانه، ويؤكد أن علاقته بأفراد النادي جيدة، وأن الجميع يحبونه، موضحًا أن كل من حوله في النادي يتعاملون معه بشكل طيب.

وفي نهاية حديثه، كان السؤال الأهم: ماذا يريد كمال؟ وما الذي يحتاج إليه؟

لم يطلب الطفل مالًا، ولم يبحث عن مكسب من انتشار قصته، ولم يتحدث عن أشياء كثيرة، بل اختصر حلمه كله في جملة واحدة: «أنا نفسي أطلع لاعب كورة بس».

وبين جلابية يعتز بها، وكتاب أزهري يحرص على دراسته، وحقيبة كرة يحملها معه، وطريق طويل يقطعه بين قنا والقاهرة، يواصل كمال آدم محمد محمود رحلة طفل صغير نحو حلم كبير، متسلحًا بتربية والده، ومتمسكًا بهويته، ومؤمنًا بأن الطريق إلى النجاح يبدأ من أن يحافظ الإنسان على نفسه وقيمه.

وربما لا يعرف كمال إلى أين ستأخذه كرة القدم بعد سنوات، لكنه يعرف جيدًا ماذا يريد الآن: أن يظل كما هو، طفلًا صعيديًا يعتز بجلبابه، ويواصل دراسته، ويركض خلف الكرة، على أمل أن يصبح يومًا لاعبًا كبيرًا يحقق الحلم الذي بدأ منذ ثلاث سنوات.

اخبار ذات صلة