في قرية صغيرة بنقادة، جنوب محافظة قنا، يجلس رجل ستيني متهالك الجسد، يحمل على كتفيه حزنًا يفوق العمر، وكأن الزمن توقف عنده ليُثقل قلبه بالفقد، هذا الرجل هو والد الشهيد النقيب محمود عبدالصبور، ضابط الشرطة الذي لقي ربه وهو يؤدي واجبه في حماية الوطن، بعد أن خسر اثنين من أبنائه من قبل في مآسٍ لم تُمحَ من ذاكرته.
فقد الابن الأول.. حادث غيّر ملامح الحياة
قبل سنوات، كان الأب يعيش حياة هادئة، لا يتخيل أن الأقدار ستسلب منه فلذات كبده واحدًا تلو الآخر. بدأ الألم حين فقد ابنه الأول في حادث مروري مروع، لم يستطع نسيان تفاصيله حتى اليوم. في لحظة واحدة، تغير كل شيء، وكأن الحياة سقطت في هاوية سحيقة، فلم يكن سهلاً أن يُدفن الابن البكر قبل والده، لكنه تجرّع الصبر واحتسبه عند الله، متحاملًا على أوجاعه من أجل باقي أبنائه.
الضربة الثانية.. الابن الثاني يصارع المرض حتى الرحيل
لم يكد الأب يلتقط أنفاسه من فاجعة فقد ابنه الأول، حتى تلقى الضربة الثانية حينما أصيب ابنه الثاني بمرض القلب، كانت رحلة علاج طويلة بين المستشفيات، وكل يوم كان الأمل يراوده في أن يرى ابنه معافىً من جديد لكنه في أحد الأيام، داخل مستشفى بالقاهرة، جاء الخبر القاتل: رحل الابن الثاني. وقف الأب أمام جثمانه بلا دموع، وكأن الحزن تجمّد في عينيه وكانت هذه الخسارة بمثابة خنجر جديد يُغرس في قلبه المنهك.
الضربة القاضية.. استشهاد محمود عبدالصبور
وبينما كان الأب يواسي نفسه بابنه الثالث، الضابط الشجاع محمود عبدالصبور، ويتعلق به كآخر ما تبقى له من نور في حياته، جاء الخبر الذي جعله يفقد إحساسه بالحياة تمامًا: محمود استشهد أثناء تأدية واجبه الوطني.
تلقى الأب الخبر ولم يصدق، حاول أن يرفض الواقع، لكنه كان أمام الحقيقة القاسية.. ابنه الثالث أيضًا رحل، هذه المرة برصاصة غادرة من يد مجرم خارج عن القانون، ليسقط البطل مضرجًا بدمائه الطاهرة، ويترك والده وحيدًا، محاصرًا بالذكريات والألم.
الأب المكلوم.. رجل واجه الحياة بثلاثة أكفان
اليوم، يجلس هذا الأب في منزله الصغير، محاطًا بصور أبنائه الثلاثة، ينظر إلى كل صورة وكأنه يحدثهم واحدًا تلو الآخر، يسألهم عن أحوالهم في العالم الآخر، ويشكو لهم وحدته وألمه. لم يعد لديه شيء يخشاه، فكل ما كان يخاف فقدانه قد فقده بالفعل.
حينما يسأله الناس: “كيف حالك؟”، يرد بابتسامة باهتة: “أعيش فقط لأن الله لم يأذن لي بالرحيل بعد”. لم يعد هذا الرجل العجوز ينتظر شيئًا من الدنيا، سوى أن يجتمع بأبنائه الثلاثة يومًا ما، في دار لا فراق فيها ولا ألم.