الناس فاكرينه خطأ هندسي.. حكاية أغرب منزل في نجع حمادي حيّر الأهالي خلال 100 سنة
على بُعد خطوات من مجموعة الأمير يوسف كمال المعمارية بمدينة نجع حمادي، يقف منزل قديم وكأنه خرج من صفحات التاريخ ليحكي قصة لم تنتهِ بعد.
هناجدران من الطوب الآجر، وأبواب خشبية عتيقة، وشبابيك ما زالت تقاوم الزمن، لكن أكثر ما يلفت الأنظار ليس عمر المنزل ولا موقعه، بل تصميمه الغريب الذي جعل الأهالي يتوقفون أمامه لعقود طويلة متسائلين: لماذا يمتلك المنزل مدخلين منفصلين؟ ولماذا يصعد سكان الطابق العلوي إلى شقتهم مباشرة من الشارع دون المرور بالطابق الأرضي؟
في شارع الشيخ عمران، الموازي للمجموعة المعمارية الشهيرة للأمير يوسف كمال والمطل على نهر النيل، يقف المنزل كواحد من الشواهد الباقية على حقبة ازدهرت فيها أملاك الأمير بمدينة نجع حمادي.
يتكون المنزل من طابقين متشابهين تقريبًا في التصميم، إلا أن غرابته تكمن في طريقة الوصول إليهما، فبينما يدخل سكان الطابق الأرضي عبر باب تقليدي، خصص للطابق العلوي سلم خارجي مستقل يصل مباشرة إلى الشقة دون المرور بأي جزء من الطابق الأول.
هذا التصميم غير المألوف جعل المنزل مادة للدهشة بين أبناء المدينة جيلاً بعد جيل، وتحول إلى واحدة من الحكايات المتداولة التي يرويها كبار السن للباحثين والمهتمين بتاريخ نجع حمادي.
عندما تحولت الحكاية إلى مادة للسخرية
بعد قيام ثورة يوليو 1952، كانت الصحافة المصرية تبحث عن كل ما يمكن أن يكشف ملامح الحياة داخل قصور وأملاك الأسرة العلوية وبين عشرات القصص التي نُشرت آنذاك، برزت حكاية هذا المنزل الصغير في نجع حمادي.
ففي عام 1957 نشرت إحدى المجلات تقريرًا ساخرًا زعمت فيه أن الأمير يوسف كمال صمم المنزل بنفسه، لكنه نسي أن يضع سلمًا للطابق الثاني، وعندما اكتشف الخطأ أمر ببناء سلم خارجي يصل مباشرة إلى الشقة العلوية، القصة انتشرت وقتها باعتبارها نموذجًا للسخرية من أفراد الأسرة المالكة بعد سقوط الملكية، وأصبحت جزءًا من الروايات المتداولة حول المنزل.
لكن الباحثين في تاريخ نجع حمادي يقدمون رواية مختلفة وأكثر واقعية، فبحسب وثائق وسجلات قديمة، لم يكن المنزل قصرًا للأمير ولا مقرًا لإقامته، بل أحد المساكن المخصصة للعاملين في دائرة الأمير الزراعية.
وتشير السجلات إلى أن المنزل كان يقطنه موظفون بدائرة الأمير، وهو ما يفسر وجود مدخلين مستقلين، إذ يرجح أن التصميم كان يهدف إلى توفير الخصوصية لأسرتين تقيمان في مبنى واحد دون تداخل بينهما.
ويبدو أن ما اعتبره البعض خطأً هندسيًا قبل أكثر من نصف قرن ربما كان في الحقيقة فكرة معمارية متقدمة تناسب طبيعة السكن في ذلك الوقت، فيما يؤرخ بناء المنزل إلى الفترة ما بين عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي شهدت نشاطًا واسعًا للأمير يوسف كمال في نجع حمادي، حيث امتلك مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية وأقام مجموعة معمارية ما زالت تعد من أبرز معالم المدينة التاريخية.
ورغم مرور ما يقرب من مائة عام على تشييده، ما زال المنزل محتفظًا بملامحه الأصلية، ليبقى شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ نجع حمادي وتحولاتها السياسية والاجتماعية.