من فقدان ابنها إلى محاربة الثأر.. حكاية النائبة أماني أبو سحلي التي اختارت المصالحة بعد مقتل نجلها
توفيت البرلمانية أماني ابوسحلي؛ عضو مجلس النواب عن محافظة قنا، في الساعات الأولي من صباح اليوم الجمعة، لكن سيرتها تظل في انحاء مدينة فرشوط، بعدما لعبت دورأ محوريا في إنهاء أحد أبرز الخصومات الثأرية في المحافظة.
ولم تكن حياة النائبة أماني أبو سحلي، عضو مجلس النواب عن القائمة الوطنية، مجرد رحلة في العمل العام والسياسي، بل حملت في طياتها حكاية إنسانية قاسية، بدأت بفقدان ابنها ساهر في حادث ثأري بمدينة فرشوط شمالي محافظة قنا، وانتهت بأن تحوّل وجع الأم إلى دافع لمحاربة الثأر والسعي إلى إنهاء الخصومات بين العائلات.
ومع إعلان وفاتها، عادت هذه الحكاية إلى الواجهة، لتستعيد مدينة فرشوط في محافظة قنا جانبًا من سيرة ابنتها التي واجهت واحدة من أصعب التجارب التي يمكن أن تمر بها أم، بعدما فقدت نجلها في سن مبكرة، لكنها رفضت أن يكون رحيله سببًا في سقوط ضحايا جدد.
ساهر.. ابن الـ16 عامًا الذي خرج إلى الامتحان ولم يعد
تعود فصول الحكاية إلى الخصومة الثأرية التي نشبت بين عائلتين في فرشوط، واستمرت لسنوات منذ عام 2010، وسط أجواء من التوتر والخوف من تجدد أعمال العنف.
وفي عام 2015، عاشت أماني أبو سحلي واحدة من أصعب لحظات حياتها، بعدما فقدت نجلها ساهر، الذي لم يكن قد تجاوز السادسة عشرة من عمره.
وبحسب الروايات الصحفية التي تناولت الواقعة، حاولت أماني إقناع ابنها بعدم الذهاب إلى المدرسة، خوفًا عليه من تداعيات الخصومة، لكنه أصر على التوجه لأداء امتحانه، برفقة ثلاثة من أصدقائه.
وقبل وصولهم إلى المدرسة، تعرضوا لإطلاق نار من أفراد بالعائلة الأخرى، ما أسفر عن مقتل ساهر وإصابة أحد أقاربه، لتتحول مخاوف الأم إلى واقع مأساوي، وتفقد ابنها في حادث ترك أثرًا عميقًا في حياتها.
رفضت الأخذ بالثأر بعد مقتل نجلها
عقب تشييع جثمان ساهر، اتجه بعض أفراد العائلة إلى الاستعداد للأخذ بالثأر، في مشهد يعكس حجم الضغوط التي تفرضها الخصومات الممتدة على الأسر في بعض مناطق الصعيد.
لكن أماني أبو سحلي اتخذت موقفًا مغايرًا، ورفضت أن يؤدي مقتل ابنها إلى دائرة جديدة من الدماء، رغم قسوة الفقد وصعوبة تجاوز المأساة.
ومع تصاعد الضغوط، غادرت أماني وزوجها، النائب حمزة أبو سحلي، إلى المملكة العربية السعودية لأداء مناسك العمرة، قبل أن يعودا ويتمسكا بخيار المصالحة بدلًا من الانتقام.
وفي ديسمبر 2015، شهدت قنا جلسة صلح بين العائلتين، في خطوة استهدفت إنهاء الخصومة ووقف نزيف الدم، لتبدأ أماني مرحلة جديدة من حياتها، تحاول خلالها تحويل تجربتها المؤلمة إلى رسالة للمجتمع.
من أم ثكلى إلى داعمة للمصالحات النسائية
لم تتوقف أماني عند رفض الثأر في قضيتها الشخصية، بل اتجهت إلى دعم جهود المصالحات المجتمعية، وبرزت تجربتها في تأسيس لجنة للمصالحات الثأرية النسائية ضمن جهود مكافحة الثأر في صعيد مصر.
وقامت الفكرة على إشراك النساء في جهود إنهاء الخصومات، من خلال التواصل مع السيدات داخل المنازل، والاستماع إلى مخاوفهن، وتوعيتهن بتأثير الثأر على الأبناء والأسر ومستقبل الأجيال الجديدة.
وكانت أماني تؤمن بأهمية دور المرأة في تغيير المواقف داخل الأسرة، باعتبارها قادرة على التأثير في الأبناء والزوج والأقارب، ودعم الاتجاه نحو الصلح بدلًا من الانتقام.
ولم يكن الطريق سهلًا؛ إذ واجهت جهود المصالحات تحديات اجتماعية تتعلق بترسخ عادة الثأر، وصعوبة إقناع بعض الأسر بالتخلي عن فكرة الانتقام، فضلًا عن الحاجة إلى بناء الثقة بين أطراف الخصومات والتنسيق مع الجهات المعنية لضمان استقرار الصلح.
لكن تجربتها الشخصية منحت رسالتها بُعدًا إنسانيًا خاصًا؛ فهي لم تكن تتحدث عن الثأر باعتباره قضية اجتماعية بعيدة عنها، بل كانت أمًّا عاشت ألم فقدان ابنها، واختارت رغم ذلك ألا تدفع عائلات أخرى إلى التجربة نفسها.
رحيل النائبة وبقاء الحكاية
وإلى جانب تجربتها في ملف المصالحات، عملت أماني أبو سحلي بالمحاماة، وشاركت في العمل العام والحزبي حتي رشحت في مجلس النواب 2025 عن القائمة الوطنية لتحصد كرسي مجبس النواب عن قائمة قنا، كما عُرفت بانتمائها إلى مدينة فرشوط وعائلة السحالوة، قبل أن ترحل تاركةً حالة من الحزن بين أهلها وذويها.