الشيخ علي الببلاوي

من مشيخة الأزهر إلى ديوان قنا.. حكاية إصلاح بدأها الجد ويُكملها الحفيد

0

لم يكن الشيخ علي الببلاوي مجرد عالمٍ جلس على كرسي مشيخة الأزهر الشريف، بل كان رجل موقف في زمنٍ كانت فيه كلمة الإصلاح ثمنها غاليًا.

ففي واحدة من أبرز صفحات التاريخ الإصلاحي في مصر، وقف الببلاوي إلى جانب الإمام محمد عبده، مدافعًا عن استقلال المؤسسة الدينية، ومؤمنًا بأن الأزهر يجب أن يبقى منارة علم لا أداة في يد السلطة.

كانت العلاقة بين الرجلين علاقة فكر ومشروع، لا مجرد علاقة منصب، فقد آمن الببلاوي برؤية محمد عبده التي دعت إلى تجديد الفكر الديني، وربط التعليم بمتطلبات العصر، حتى قيل إن الكلمة كانت للمفتي محمد عبده، في دلالة على عمق التوافق بينهما في معركة الإصلاح.

لم يكن ذلك ضعفًا، بل كان انحيازًا واعيًا لفكرة أكبر من الأشخاص: أن الإصلاح مسؤولية، وأن دعم الحق مقدم على التمسك بالمناصب.

لكن هذا التوجه الإصلاحي لم يكن محل ترحيب من السلطة آنذاك، فقد حاول عباس حلمي الثاني فرض نفوذه على الأزهر والتأثير في قراراته، سعيًا لإخضاع المؤسسة الدينية لإرادة الحكم.

وهنا، ظهر معدن الشيخ الببلاوي الحقيقي، حين رفض أن يكون الأزهر تابعًا، ووقف مدافعًا عن استقلاله، متحديًا الضغوط، ومتمسكًا بموقفه إلى النهاية.

ولمّا اشتد الخلاف، اتخذ قراره الذي خلده التاريخ: قدّم استقالته من مشيخة الأزهر، لا هروبًا من المسؤولية، بل دفاعًا عن المبدأ، وتأكيدًا على أن الكرامة المؤسسية واستقلال القرار أهم من البقاء في المنصب، وكانت تلك الاستقالة موقفًا مشرفًا، ورسالة واضحة بأن الإصلاح الحقيقي يتطلب شجاعة، وأن المناصب تزول، لكن المواقف تبقى.

اليوم، وبعد أكثر من قرن، يعود اسم الببلاوي إلى الواجهة، لكن هذه المرة من بوابة العمل التنفيذي، مع تولي حفيده اللواء دكتور مصطفى سليم الببلاوي مسؤولية محافظة قنا.

وإذا كان الجد قد واجه تحديات الإصلاح في مؤسسة دينية، فإن الحفيد يواجه تحديات من نوع آخر، تتعلق بالتنمية، وتحسين الخدمات، والاستجابة لتطلعات المواطنين.

إن أبناء قنا، وهم يتطلعون إلى محافظهم الجديد، لا يستحضرون التاريخ كحكاية تُروى، بل كقيمة تُحتذى، فكما انحاز الجد إلى الإصلاح، ووقف مدافعًا عن استقلال المؤسسة التي قادها، يأمل المواطن أن يحمل الحفيد الروح ذاتها في إدارة شؤون المحافظة، وأن يكون الإصلاح الإداري وتحقيق العدالة في الخدمات أولوية لا تقل أهمية عن أي اعتبار آخر.

لقد أثبت التاريخ أن عظمة الرجال لا تُقاس بالمناصب التي شغلوها، بل بالمواقف التي اتخذوها، وبين استقالة شيخ الأزهر دفاعًا عن استقلال مؤسسته، وتولي حفيده مسؤولية محافظة بأكملها، يبقى الرابط الأعمق هو روح الإصلاح نفسها؛ روحٌ لا تزال قنا تنتظر أن ترى أثرها على أرض الواقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *