إسلام نبيل

إسلام نبيل يَكتُب: الحكايات التي يؤجلها الزمن لا تهزم القلوب

هناك أشخاص لا يرحلون عندما يغادرون، بل يبقون في مكانٍ لا تصل إليه المسافات، تمر السنوات، وتتبدل الوجوه، وتتغير المدن، وتمضي الحياة بكل ما فيها، لكن يظل هناك اسم لا يشيخ في الذاكرة، وتبقى حكاية لا ينجح الزمن في إقناع القلب بأنها أصبحت من الماضي، عندها فقط، ندرك أن بعض المشاعر لا تقاس بطول الغياب، بل بقدرتها على البقاء رغم كل ما مرّ.

ولعل أكثر ما يراودني؛ أنه أحيانًا كثيرة لا تكون قيمة الأشخاص في عدد الأيام التي قضوها معنا، بل في قدرتهم على البقاء داخلنا مهما تعاقبت السنوات، فهناك من يغيب عن العين، لكنه يظل حاضرًا في تفاصيل لا يلاحظها أحد، وفي دعاءٍ عابر، أو ذكرى مفاجئة، أو ابتسامة تستدعيها الصدفة، وحين يحدث ذلك، نفهم أن الزمن قد يغيّر كل شيء… إلا ما استقر في القلب بصدق.

وقد اعتاد الناس أن يقولوا إن الزمن كفيل بأن يجعلنا ننسى، وإن الأيام تمضي بمن رحلوا، حتى يصبحوا مجرد ذكرى، لكن الحياة، في كثير من الأحيان، تثبت أن الأمر ليس بهذه البساطة.

ولعل أكثر ما تعلمته من الحياة أن الناس يخلطون دائمًا بين “النهاية” و”التوقف” يظنون أن كل طريق افترق عنده شخصان قد انتهى إلى الأبد، بينما الحقيقة أن بعض الطرق لا تنتهي، بل تنتظر فقط أن يصبح العابرون فيها أشخاصًا مختلفين.

وربما لهذا السبب، لا أؤمن بأن كل من يغيب يخرج من القلب، فهناك أشخاص لا يتركهم الزمن في الذاكرة فقط، بل يتركهم جزءًا من الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة.. قد تمر وجوه كثيرة، وتبدأ حكايات أخرى، لكن يبقى هناك شخص واحد، كلما مر الزمن، اكتشفنا أن حضوره لم يكن عابرًا، وأن أثره لم يكن قابلًا للمحو، وكأن الأيام لم تكن تحاول أن تُنسيه، بل كانت تُعلّمنا لماذا كان مختلفًا.

كم من حكاية انتهت لأن أصحابها كانوا صغارًا على فهمها؟ وكم من قرار بدا صحيحًا في لحظته، ثم اكتشف الجميع بعد سنوات أنه لم يكن خطأ أحد، بل كان ابنًا لظروف ذلك الوقت؟

الحقيقة التي لا نتحدث عنها كثيرًا، أن الإنسان يلتقي بالشخص نفسه مرتين، حتى لو كان الاسم والوجه كما هما، فالسنوات تعيد تشكيلنا جميعًا، تُسقط شيئًا من العناد، وتضيف شيئًا من الحكمة، وتجعلنا نرى التفاصيل التي كنا نعبرها دون انتباه.

لهذا، لا أستغرب عندما أسمع عن حكايات افترقت طويلًا ثم التقت من جديد، ليس لأن القدر غيّر مساره، بل لأن الأشخاص أنفسهم لم يعودوا كما كانوا، أحيانًا لا يحتاج الطريق إلى رفاق جدد، بل يحتاج إلى نسخة أكثر نضجًا ممن ساروا فيه أول مرة.

كنت أظن قديمًا أن بعض الأبواب إذا أُغلقت فلن تُفتح أبدًا، ثم اكتشفت أن هناك أبوابًا لا تُغلق، وإنما يتركها الزمن مواربة، حتى إذا جاء اليوم المناسب، عاد أصحابها إليها دون أن يشعروا أنهم عادوا إلى الماضي، بل كأنهم يبدأون فصلًا جديدًا من الحكاية نفسها.

لهذا، لا أحب أن أقول عن بعض القصص إنها انتهت، لأن النهاية تعني أن كل شيء قيل، وكل فرصة استُنفدت، بينما الواقع يخبرنا أن هناك قصصًا توقفت عند فاصلة، وظل الجميع يظن أنها كانت نقطة.