الحاجة فاطمة عطيتو

عزيمة لا تعرف المستحيل.. صعيدية من قنا تمحو أميتها وتنتصر لحلم القرآن

في أحد الأزقة الهادئة بمنطقة المعنا بمحافظة قنا، تجلس الحاجة فاطمة عطيتو بين الأطفال، تحمل المصحف بيديها، وتتابع بصوت ثابت ما يردده الصغار من آيات. المشهد يبدو عاديا للوهلة الأولى، لكن تفاصيله تحمل حكاية استثنائية لامرأة بدأت طريق العلم في الستين، وحققت في الثمانين ما عجز عنه كثيرون في مقتبل العمر.

الحاجة فاطمة، التي يعرفها المحيطون بها بلقب “سيدة الصبر”، لم تكن تبحث عن شهرة أو تكريم، بل كانت تبحث عن نفسها بعد سنوات طويلة قضتها بين مسؤوليات الزواج وتربية الأبناء ومشاغل الحياة اليومية، وعندما هدأت الأعباء قليلا، وجدت قلبها يتجه نحو حلم قديم تأخر كثيرا، لكنه لم يمت.

تقول في حديثها لـ بتوقيت النجع، إن اللحظة الفاصلة جاءت حين كانت تراقب الأطفال في الكُتّاب وهم يتعلمون القراءة ويحفظون القرآن؛ يومها شعرت أن العمر لا يجب أن يكون حاجزا، وأن ما فاتها يمكن أن تبدأه الآن، لا غدا، حتي قررت أن تتعلم القراءة والكتابة، ثم تحفظ كتاب الله، ثم تنقل ما تعلمته إلى غيرها.

لم يكن القرار سهلا في بيئة اعتادت أن تضع للعمر حدودا صارمة، سمعت تعليقات مستغربة، وواجهت نظرات شك، لكن ذلك لم يثنها، لكنها مضت إلى أحد الكتاتيب التابعة لجمعية أهلية في المعنا بمدينة قنا، وجلست على مقاعد الدراسة بين من يصغرونها بعقود كاملة.

هناك بدأت الرحلة الأصعب والأجمل، كانت تتعلم الحروف كما يتعلمها الأطفال، تكرر الكلمات، وتخطئ ثم تعيد المحاولة، وتحفظ الآيات على مهل، وتعود إلى منزلها كل يوم وفي قلبها فرحة جديدة، لم تكن ترى نفسها متأخرة عن أحد، بل كانت ترى أنها بدأت في الوقت المناسب لها.

على مدار نحو عشرين عاما، واظبت الحاجة فاطمة على الحضور والتعلم والحفظ؛ تبدل المحفظون، وتغيرت السنوات، لكنها ظلت ثابتة في مكانها، لا تغيب عن حلقات القرآن إلا لضرورة، ولا تسمح لليأس أن يقترب منها.

وتؤمن السيدة القناوية أن السن مجرد رقم لا يملك أن يغلق أبواب الأحلام، وتردد دائما أن الإنسان يتوقف فقط عندما يقرر هو التوقف، لذلك كانت تستغرب من شباب أنهكتهم الهموم مبكرا، بينما ما زالت هي ترى في كل صباح فرصة جديدة للبدء.

ومع مرور الوقت، لم تعد مجرد متعلمة جاءت لتزيل أميتها، بل تحولت إلى مصدر إلهام داخل الكُتّاب، تراجع للأطفال ما حفظوه، وتشجع المترددين، وتحكي للجميع أن الإرادة أقوى من الظروف.

وتعتبر السيدة الصعيدية أن أعظم ما حصلت عليه لم يكن شهادة محو الأمية، بل الحياة الجديدة التي صنعتها لنفسها، حياة صار فيها القرآن رفيقها، والتعليم بابها المفتوح، والعطاء رسالتها.

وجاء التكريم الرسمي ليضيف إلى رحلتها محطة مؤثرة، حين جرى الاحتفاء بها من جانب محافظ قنا، تقديرا لإصرارها وتجربتها الملهمة، يومها شعرت أن تعب السنوات لم يذهب سدى، وأن المجتمع بدأ يسمع الرسالة التي حملتها طوال الطريق.

لكن الحاجة فاطمة لا تتحدث كثيرا عن الجوائز التي حصدتها، هي تفضل الحديث عن الفرح البسيط، عن الرحلات التي تذهب إليها، وعن الوقت الذي تقضيه بين الأطفال، وعن الطاقة الإيجابية التي يجب أن يمنحها الإنسان لمن حوله.

اخبار ذات صلة